
في القرن الثامن عشر، قام مخترع مجري بتصميم آلة تشبه الروبوت وهي عبارة عن خزانة مصنوعة من الخشب والمسننّات والدواليب يجلس أمامها دمية بهيئة رجل تركي (عثماني) يلعب الشطرنج ببراعة. سرعان ما انتشر خبر هذا الاختراع المثير وقدرة التركي الآلي على لعب الشطرنج والفوز على كل متحديه من لاعبي الشطرنج المهرة في كافة انحاء اوروبا مما اضطر المخترع ان يحمل اختراعه في رحلة حول اوروبا لينافس لاعبي الشطرنج. من المشاهير الذين لعب ضدهم الرجل الآلي التركي وهزمهم نابليون بونابرت وبنجامين فرانكلين الذي اصبح فيما بعد رئيساً للولايات المتحدة الامريكية وغيرهم من عظماء اوروبا في ذلك الوقت. ولم ينكشف سر هذا الرجل الآلي التركي إلا بعد موت المخترع المجري: إذ كان يختبيء داخل الخزانة أحد أهم أبطال لعبة الشطرنج آنذاك وكان يستطيع معرفة حركات الخصم ومن ثم تحريك قطعه عن طريق المسننات والادوات المغناطيسية. (وفي رواية أخرى، يقال أن سر الرجل الآلي هذا كان معروفاً، وعلى الرغم من ذلك، لم يفتر الاهتمام بالاختراع أوالمنافسة ضده).
ومع أن هذا الاختراع قد استغل للخديعة إلا أنه ألهم ولا يزال الكثيرين لابتكار واختراع نماذج مثالية للدمج بين ما يقدمه العقل البشري وما تستطيع الآلة تقديمه لانجاز عمل أو مهمة ما. والانترنت بشكل عام بما فيها من مواقع متعددة وخدمات مهمة هي خير تجسيد لهذا النوع من دمج القدرات والامكانيات بين الآلة (برنامج كمبيوتر) وعقل الإنسان الواعي. ومنذ البدايات الاولى لبرمجة الحاسوب، اتضح الفرق الكبير بين هذا العلم وطريقة عمل العقل البشري وعجز الكمبيوتر عن القيام بالكثير من الاشياء الروتينية التي يقوم بها عقلنا البشري بشكل عفوي مثل التعرف على محتويات صورة. واذا اعتبرنا ان تقنيات وصفحات وأجهزة الانترنت المترابطة والمتشابكة مع بعضها البعض برنامج حاسوبي عملاق، فإننا نرى عندها وجه الشبه بين الرجل التركي الآلي والانترنت.
قبل بضع سنوات، قامت الشركة المسئولة عن موقع امازون الشهير amazon .com بتقديم خدمة دعيت بـ"الرجل التركي الآلي"Automatic Turk وهي خدمة حشد وتجييش الآلاف من العاملين عبر الانترنت حول العالم وتقديمهم كأدوات لمصممي برامج الانترنت لاستخدامهم كجزء أساسي في برامجهم ليقوموا بتزويدها بما قد تحتاجه وتفتقده من الذكاء البشري. ولمزيد من التوضيح، إذا كان هناك برنامج يعمل على تنسيق والتعرف على محتويات آلاف الصور من وجوه أشخاص أو أشياء أخرى، يتم تصميم البرنامج بحيث في حالة عدم قدرة البرنامج (الآلة) على التعرف على شيء داخل الصورة، توكل هذه المهمة وبشكل اوتوماتيكي لعامل او لمجموعة من العاملين في موقع امازون ليقوموا بهذه المهمة وبسرعة ومن ثم تقديم النتائج للمستخدم دون إزعاجه بمعرفة من قام بالمهمة. وذكرت خدمة امازون في هذا الإطار كانت لمجرد الذكر لا الحصر والتطبيق المذكور هو فقط كمثال من بين العديد من التطبيقات الأخرى التي قد لا ندركها.
ويمكن اعتبار خدمة اليوتيوب مثال آخر على هذا التطبيق، حيث أن الموقع هو عبارة عن برنامج يقدم أجزاء مهمة من الخدمة ويتولى المستخدمون من البشر بتكملة هذه المهمة من تحميل وتصنيف وترتيب وترميز أفلام الفيديو. وحالياً موقع فيسبوك الذي تعرفه الغالبية منا وتتقن استعماله عن ظهر قلب هو أيضاً مثال حي لعملية التكامل بين الآلة والإنسان.
ولكن المثال الأفضل والأكثر تميزاً في استغلال مثل هذه التقنيات هو محرك البحث جوجل. وحسب معرفتي في هذا المجال، فإن جوجل من الشركات القليلة التي تعمل ضمن خطة عمل شبه معلنة من أجل تحقيق أقرب ما يكون من التكامل التام بين الانسان والآلةArtifitial Inteligance في المستقبل القريب. قد يستغرب العديد هذا الكلام ويتساءل عن علاقة محرك بحث مثل جوجل بالتكامل بين الآلة والانسان. لذا يجدر الذكر والتنويه هنا أن الاستعمال الصحيح والإبداع بهذا المجال هو السبب الأساسي لنجاح جوجل وجعله نموذجاً تلهث شركات كبرى مثل مايكروسوفت و غيرها من اجل اللحاق به.
في بداياته، كان جوجل عباره عن روبوت (برنامج او سكربت ألي) يتصفح المواقع المختلفة على شبكة الانترنت شأنه بذلك شأن متصفح عادي يذهب لعنوان موقع ما، يقوم بعمليه مسح (قراءة) وفهرسة للنص الموجود على الصفحة. واذا كان هناك رابط يشير الى صفحات أو مواقع أخرى يقوم بتتبعه. هكذا كان ولا يزال الجزء الرئيس من تقنيات جوجل والمسمى ب Googlebot نسبة الى الروبوت Robot حيث يقوم بالعملية الأولية للكشف والفهرسة والتصنيف للمواقع في آفاق الانترنت اللامتناهية.
ومع النجاح الأولي لجوجل والانتشار الواسع للانترنت وإضافة ملايين الصفحات بشكل مستمر، تطلب هذا التقدم المتسارع من جوجل المزيد من التطور والتحديث لتقنياته وأساليبه بشكل متواصل وحثيث خصوصا ان الكثير من خبراء التسويق الالكتروني استطاعوا معرفة الطريقة التي يعمل بها روبوت جوجل و اختراع وسائل جديدة للتأثير على نتائجه ( يبقى الانسان أكثر ذكاءً من الروبوت).
وبما أن الدافع الاساسي لجوجل منذ البداية هو تقديم الخدمة الأفضل لمستخدمي محرك البحث، فهذه العوامل والرغبات التجارية لدى جوجل حتى يبقى بموقعه الريادي كأهم بوابة لتصفح الانترنت دفعته لإبداع نوع جديد من التكامل والدمج بين الآلة والإنسان. وتفوقت تقنيات جوجل بهذا المجال على نظيراتها وعلى الأمثلة المذكورة سابقا. حيث أنه لم يكتف بعملية التكميل بل شدّد على بناء قدرات ذاتية للروبوت (الرجل الآلي) بحيث يتعلم من نشاطات يقوم به البشر على الانترنت ويطور نفسه تلقائياً.
الجزء الآخر والأكثر أهمية لموضوعنا هو نظام ترتيب الصفحات Google Page Rank وهو عبارة عن نظام برامج رقمية تقوم بترتيب الصفحات حسب الاهمية وصلتها بالكلمة أو الجملة المستعملة أثناء عملية البحث. يمكننا أن نعتبر تقنية جوجل هذه "العقل الآلي" الذي يقرر إلى حد كبير ما يعرض أو لا يعرض علينا من نتائج بحث. يعتمد العقل الآلي بشكل مباشر على ما يصدر عن ملايين من العقول البشرية على الانترنت، وهذا هو جوهر تقنية جوجل وسر نجاحه الباهر، فكيف يقوم بذلك؟
لتوضيح كيفية عمل هذا العقل الآلي، أود ذكر اثنين من أهم المعايير التي يستعملها جوجل بعملية تصنيف الصفحات والمواقع وترتيبها لنتائج البحث.
المعيار الأول: هو عدد الروابط الواردة لصفحة او موقع ما في صفحات ومواقع ومصادر أخرى على الانترنت. كما ذكرت سابقاً، منذ البداية اتضح ان تصنيف الصفحات بناء على عدد المرات التي تذكر بها كلمة معينة لم تكن مثالية. خصوصا ان الكثير من مصممي المواقع وعند معرفتهم بطريقة فهرسة جوجل اصبحوا يبالغون بحشو صفحاتهم بالكلمات المستعملة بالبحث. فكان على جوجل تطوير تقنيات وأساليب جديدة لتصنيف المواقع بطريقة اكثر عملية ومثالية. وعلى الرغم أن روبوت جوجل يتمتع بالقدرة الهائلة على مسح وعد الكلمات المذكورة في صفحة ما، إلا أنه يبقى عاجزاً عن معرفة المعاني و التقييم الحقيقي إن كانت المادة مفيدة أم لا. لهذا لجأ جوجل للدمج بين قدراته كعقل آلي والعقول البشرية المتوفرة بشكل كثيف عبر الانترنت. بالنسبه لجوجل، أي رابط لصفحة ما هو في أغلب الاحيان نتاج عمل أو مساهمة مستخدم. على سبيل المثال، مستخدم كتب عن موضوع ما ثم زوّد المتصفحين برابط لموقع آخر حتى يستفيدوا أكثر. يعتبر جوجل هذه العملية بمثابه شهادة من إنسان/مستخدم (عقل بشري) بأن الصفحة التي أشار إليها الرابط هي صفحه مهمة. وكلما زادت عدد الروابط زادت الاهمية التي يوليها جوجل للصفحة وعلاقتها بموضوع ما. فاصبح روبوت جوجل يقوم ايضا بتتبع الروابط التي تصب على صفحات ومواقع الانترت من صفحات اخرى وكلمات الربط المستعمله ليخمن اذا كانت هذه الصفحات مهمة و ذات صلة.
المعيار الثاني الذي يستعمله جوجل لتصنيف المواقع هو تفاعل مستخدمي محرك البحث مع النتائج التي يقدمها لهم، يراقب جوجل هذا التفاعل ويتعلم منه باستمرار وبناء عليه يغير الطريقة التي يرتب بها النتائج. لتوضيح هذه النقطة، لنفترض ان جوجل قد قام بفهرسة آلاف المواقع وحدد أي منها يذكر كلمة “زيتون”. ثم استخلص منها ٥٠ موقع استنتج انها تتكلم عن موضوع “الزيتون”. وفيما بعد، قام بعملية فهرسة وحساب عدد المواقع الأخرى التي تحتوي على روابط باستعمال كلمه زيتون وتشير لهذه المواقع ال ٥٠. فاكتشف ان هناك كثافة من الروابط تتجه لعشرة من هذه المواقع الخمسين بدرجات متفاوته دون غيرها. ويستنتج جوجل ان هذه المواقع العشرة هي الاهم فيقوم جوجل باعطائها الصداره في نتائج البحث التي تظهر عندما يقوم مستخدم ما باستعمال محرك البحث للبحث عن كلمة “زيتون”. بعد ذلك يقوم محرك جوجل بمراقبة ومتابعة كيفية تفاعل الباحثين عن كلمه “زيتون” مع هذه النتائج. اذا تبين مثلاً أن أغلبية المستخدمين يقومون بنقر (زياره) النتيجة رقم ٤ اكثر بكثير من النتيجة رقم واحد الى ثلاثة، يستنتج من ذلك ان عليه ان يعيد الترتيب من جديد ويعطي الصدارة للنتيجة رقم ٤، ويزيد من أهمية الموقع الذي تشير إليه هذه النتيجة بشكل عام. أي، بكلمات أخرى، أنه يعتمد على تصرف وعقل آلاف بل ملايين المستخدمين ليحسن من ادائه باستمرار وبشكل دائم.
يحمل لنا المستقبل المزيد من التكامل والاعتماد المتبادل بين الانسان والآلة في مجال الانترنت ومجال الثقافة البشرية العامة وطريقة تخزينها واسترجاعها واستعمالها. وما تم ذكره ليس سوى البداية ولمحة سريعة عن الطريقة التي يندمج بها عقل الإنسان مع الآلة. وهذه أيضاً فقط البداية بالنسبة للاشخاص الذين اخترعوا جوجل ويعملون على تطويره. حلمهم الحقيقي ان يصبح هناك اتصال مباشر بين عقل الانسان ووعيه والانترنت بحلول عام ٢٠٢٠. اي يصبح بإمكاننا التفاعل مع الانترنت ومن خلالها بمجرد عملية التفكير. فمثلا بمجرد التفكير بسؤال ما سوف يصل هذا السؤال محرك بحث جوجل ليبدأ بعملية بحث على الانترنت ومن ثم يقوم بارسال الاجابه لك ولعقلك مباشرة. قد يبدو للبعض ان هذه مجرد احلام واهية وخيال علمي ولكن الحقائق على الارض تجعل الرهان على قدرة جوجل أوغيره على تحقيق ذلك رهان رابح.
في عام ٢٠٠٤، نجحت شركة مايكروسوفت في تسجيل براءة اختراع لتقنية ووسيله لاستعمال جسم الانسان لنقل وتوصيل الطاقة والمعلومات. وهذه احد أهم التقنيات المخترعة التي سوف تجعل هذا الحلم حقيقة واقعة. لدى جوجل وشركات اخرى العديد من براءات الاختراع والاكتشافات المتشابهة والمكملة لتقنيات مايكروسوفت.
لم يكن تطوير جوجل لنظام اندرويد Android او تلفون جوجل Google Phone محض صدفه او من باب فتح اسواق جديد للشركه. جوجل يقدم نظام اندرويد لشركات تصنيع التلفونات بشكل شبه مجاني. جوجل يخطط للمستقبل حين تصبح هذه التلفونات المحموله هي حلقه الوصل بين عقل الانسان والانترت. حتى تسميه اندرويد Android لم تاتي بمحض الصدفه حيث انها تعني الكائن المكون من اجزاء اله واجزاء انسان.
والمستقبل لناظره قريب......
أعلن موقع الفيس بوك مؤخراً أن عدد مستخدميه قد وصل النصف مليار (٥٠٠ مليون مستخدم) من مختلف انحاء العالم، ما يزيد على (50%) منهم يشاركون ويزورون موقع الفيس بوك بشكل يومي. بالإضافة لهذا العدد الهائل من البشر، يتم تنزيل وإضافة أكثر من (١٦٠) مليار قطعة "صورة، نص، مجموعة، أو صفحة" يتفاعل معها ومن خلالها مستخدمي الفيس بوك. و"يقدم" المستخدم لفيسبوك او يشارك ما معدله (٧٠) موضوع كل شهر، أي أنه يتم تبادل ما لا يقل عن (٢٥) مليار موضوع شهرياً. قد تكون القطعة أوالمساهمة مجرد صورة، معلومة، رابط أو تعليق ولكنها بالمحصلة النهائية تساهم في زيادة ثروة الفيس بوك. وتجدر الإشارة هنا أن موقع الفيس بوك متوفر ب(٧٠) لغة مختلفة و(٧٠٪ ) من مستخدميه يعيشون خارج الولايات المتحدة الامريكية. والجدير بالذكر ان ترجمه هذا الموقع العملاق تمت بسرعه خياليه من قبل المستخديمن انفسهم وبدون مقابل مالي.